صراع خفي ومخاوف معلنة: ماذا وراء رسائل الشرع للإخوان المسلمين؟
خاص – نبض الشام
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، وجّه الرئيس السوري أحمد الشرع رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين، نافياً أي ارتباط شخصي أو سياسي بالتنظيمات الجهادية، ومؤكداً أن مشروعه يبتعد عن كل أشكال الإسلام السياسي. وبينما يرى مراقبون أن هذه التصريحات تمثل تحذيراً مبطناً للجماعة في سوريا، فإنها تعكس أيضاً استراتيجية النظام الجديد لترتيب المشهد الداخلي وبناء صورة مختلفة أمام القوى الإقليمية والدولية.
تصريحات الشرع المثيرة للجدل
أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه مع مجموعة من الإعلاميين العرب في دمشق، أنه لا ينتمي إلى أي تنظيم جهادي أو جماعة إسلامية، نافياً أي صلة له بـ جماعة الإخوان المسلمين أو بموجة الربيع العربي. وأكد الشرع أنه لا يسعى لأن يكون امتداداً لأي حركة دينية أو سياسية عابرة للحدود، في خطوة فسّرها محللون بأنها تحمل رسائل واضحة إلى أطراف داخلية وخارجية حول طبيعة المرحلة المقبلة في سوريا.
رسائل مبطنة إلى الإخوان
أثارت تصريحات الشرع تساؤلات واسعة حول مستقبل جماعة الإخوان في سوريا. فهل يخطط النظام الجديد لحظرها رسمياً كما حدث في دول عربية أخرى، أم يكتفي بتقييد نشاطها سياسياً؟ مراقبون يرون أن الجماعة فقدت جزءاً كبيراً من نفوذها الشعبي منذ أكثر من عقدين، وهو ما يجعلها هدفاً سهلاً للضغط والاحتواء، خاصة بعد أحداث حماة وحلب التاريخية التي أضعفتها بشكل كبير.
دعوة الجماعة للعيش المشترك
جاءت تصريحات الشرع بعد أسابيع قليلة من بيان أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، في أغسطس الماضي، دعت فيه إلى تبني خطاب يقوم على العيش المشترك ورفض الخطاب الطائفي، مؤكدةً دعمها لبناء دولة مدنية حديثة ذات مرجعية إسلامية. كما شددت الجماعة على أن “العدالة الانتقالية شرط أساسي لتحقيق السلم الأهلي والاستقرار”، وهو خطاب فسّره مراقبون بأنه محاولة لكسب مساحة سياسية في مرحلة إعادة تشكيل المشهد السوري.
سيناريوهات الحل والحظر
يرى الصحفي السوري وائل علوان أن الشرع يسعى إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية عبر تحجيم الإخوان، معتبراً أن أي تهديد للاستقرار السياسي أو الشخصي لن يُسمح به. وذهب المستشار الإعلامي للرئيس، أحمد موفق زيدان، أبعد من ذلك عندما دعا صراحةً إلى حلّ الجماعة نهائياً، مقارناً موقفها بالديناصورات التي لم تستطع التكيف مع الواقع الجديد فاندثرت. وأكد زيدان أن “حلّ الجماعة سيخدم مستقبل سوريا ويمنح النظام الجديد فرصة لترتيب سلطته دون منافسة سياسية أو دينية”.
محاولة لكسب ثقة الإقليم والغرب
يرى الباحث في الحركات الإسلامية هشام النجار أن النظام السوري الجديد بقيادة الشرع يحاول أن يقدم نفسه كـ”حالة مختلفة” عن مشاريع الإسلاميين والجهاديين التي فشلت في المنطقة، سواء تجربة الإخوان بعد الربيع العربي أو نموذج “داعش”. ويهدف الشرع إلى طمأنة القوى الإقليمية والدولية بأن نظامه لا يحمل أجندة إسلامية، بل يسعى إلى بناء دولة أكثر استقراراً وانفتاحاً، بما يفتح الباب أمام استعادة العلاقات الطبيعية مع دول مؤثرة في المنطقة.
تأثير الضغوط الإقليمية والدولية
يؤكد مراقبون أن تصريحات الشرع وزيدان تتماشى مع رسائل موجهة إلى الدول العربية التي حظرت جماعة الإخوان، في محاولة لتأكيد التزام دمشق بالابتعاد عن أي دعم سياسي أو فكري للجماعة. ويشير الصحفي حسن محفوظ إلى أن الحكومة السورية الحالية تعمل على إغلاق الطريق أمام أي محاولة لإعادة إنتاج المشروع الإخواني في البلاد، خاصة بعد أن فقد التنظيم حاضنته الشعبية نتيجة سياساته الإقصائية ومحاولته استثمار الثورة السورية لصالحه.
حسابات الشرع واستراتيجيات السلطة
يبدو أن الرئيس الشرع يسعى إلى تأمين المشهد الداخلي من خلال رسائل ضغط مبطنة، ليس فقط ضد الإخوان، بل ضد جميع الجماعات ذات التوجهات الإسلامية أو الجهادية. هذا النهج يعكس مسعى النظام الجديد لإظهار نفسه كـ”حكم محايد” أمام القوى الدولية، بعيداً عن أي تحالفات أيديولوجية قد تثير المخاوف أو تعطل تدفق الدعم الإقليمي والدولي.
مستقبل الإخوان بين التهميش والمواجهة
بحسب خبراء، تقف جماعة الإخوان في سوريا أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تواجه الحظر الكامل والتصنيف كتنظيم إرهابي كما في مصر، أو أن تتعرض لتهميش تدريجي يضعف قدرتها على التأثير في الحياة السياسية. وفي ظل غياب جيل جديد قادر على إعادة بناء القاعدة الشعبية للجماعة، يبدو أن نفوذها يواصل الانحسار مع الوقت، ما يتركها بين خيارين: التكيف مع الواقع الجديد أو مواجهة الاندثار.
تكشف تصريحات الرئيس أحمد الشرع ومستشاريه عن تحول استراتيجي في طريقة تعامل النظام السوري الجديد مع جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية عموماً. فبين رسائل التهديد المبطن ومحاولة كسب ثقة الإقليم والغرب، يبدو أن دمشق تسعى إلى إعادة رسم قواعد اللعبة السياسية بما يضمن استقرار السلطة وتفادي سيناريوهات الفوضى. ومع ذلك، يظل مستقبل الإخوان في سوريا غامضاً بين الحظر الكامل أو البقاء تحت المراقبة في ظل تغير موازين القوى الداخلية والخارجية.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




